الحلبي
450
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وأجيب بأنه لم يقصد التعليق قطعا ، وإنما أراد تكذيب ذلك اللعين في إنكار البعث ، ولا ينافيه قوله « حتى » لأنها تأتي بمعنى إلا المنقطعة فتكون بمعنى لكن الذي صرحوا بأن ما بعدها كلام مستأنف ، وعليه خرج ابن هشام الخضراوي حديث « كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه » أي لكن أبواه . وعد بعضهم من المستهزئين الحارث بن عيطلة ، ويقال ابن عيطل ينسب إلى أمه ، وكان من استهزائه ما تقدم عن العاص بن وائل وأبي جهل من الاختلاج خلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وعد منهم الأسود بن يغوث ، وهو ابن خال النبي صلى اللّه عليه وسلم ، كان إذا رأى المسلمين قال لأصحابه استهزاء بالصحابة : قد جاءكم ملوك الأرض الذين يرثون كسرى وقيصر : أي لأن الصحابة كانوا متقشفين ، ثيابهم رثة ، وعيشهم خشن ، ويقول للنبي صلى اللّه عليه وسلم : أما كلمت اليوم من السماء يا محمد ، وما أشبه هذا القول . وعد منهم الأسود بن عبد المطلب . ومن استهزائه أنه كان هو وأصحابه يتغامزون بالنبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ويصفرون إذا رأوهم . وعد منهم النضر بن الحارث ، فهلك غالبهم قبيل الهجرة بضروب من البلاء . أقول : والذي ينبغي أن يكون المراد بالمستهزءين في الآية وهي إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ( 95 ) [ الحجر : الآية 95 ] الوليد بن المغيرة والد خالد وعم أبي جهل ، فإنه كان من عظماء قريش ، وكان في سعة من العيش ومكنة من السيادة ، كان يطعم الناس أيام منى حيسا ، وينهي أن توقد نار لأجل طعام غير ناره ، وينفق على الحاج نفقة واسعة ، وكانت الأعراب تثني عليه ، كانت له البساتين من مكة إلى الطائف ، وكان من جملتها بستان لا ينقطع نفعه شتاء ولا صيفا ، وببركته صلى اللّه عليه وسلم أصابته الجوائح والآفات في أمواله حتى ذهبت بأسرها ولم يبق له في أيام الحج ذكر . وكان المقدم في قريش فصاحة ، وكان يقال له ريحانة قريش ، ويقال له الوحيد أي في الشرف والسؤدد والجاه والرئاسة . قال بعضهم : بل هو وحيد في الكفر والخبث والعناد . والعاص بن وائل والد عمرو بن العاص والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث والحارث بن عيطلة . وفي لفظ : ابن الطلاطلة . والطلاطلة في اللغة : الداهية ، قال بعضهم وهو اشتباه ، لأن ابن الطلاطلة اسمه مالك لا حارث . والحارث بن العيطلة كان أحد أشراف قريش في الجاهلية ، وإليه كانت الحكومة والأموال التي تجعل للآلهة ، وذكره ابن عبد البر في الصحابة . قال في أسد الغابة : لم أر أحدا ذكره في الصحابة إلا أبا عمرو يعني ابن عبد البر . والصحيح أنه كان من المستهزئين ، وهؤلاء الخمسة هم الذين اقتصر عليهم القاضي البيضاوي ، لما يروى « أن جبريل أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو في المسجد : أي يطوف بالبيت ؛ وقال له أمرت أن